المامقاني
361
غاية الآمال ( ط . ق )
وربما احتمل دخولها في المسئلة من حيث إن الحكم بالمضي إجازة إلهية لاحقة للمعاملة فتأمل لا يخفى ما في هذا الكلام من الرّكاكة لان الصادر من اللَّه ( تعالى ) انما هو الحكم الكلى وقد وجد قبل تحقق المصاديق فليس الحكم في مسئلة الاتجار بمال اليتيم الا ان غير الولي إذا اتجر بماله كان ضامنا وكان الربح لليتيم وهذا الحكم كان قبل تحقق التجارة بماله فإذا وجدت ترتب عليها الحكم من جهة انه لا قوام للحكم بدون موضوع ومثل هذا ان عد لحوقا فجميع أحكام اللَّه تعالى فيما صدر من عباده إجازات وإمضاءات وليس منها ما هو تأسيس بل نقول إنه ان أريد تسمية مثل الحكم بصحة التجارة بمال اليتيم باسم فليسم إذنا إليها لا إجازة إلهية وبالجملة أمثال هذه التمحلات الباردة التي هي بمراحل عن التحقيق ونيل الواقع لا تفيد الا تطويل المقال في الصناعة ولعلّ ( المصنف ) ( رحمه الله ) أشار إلى ما ذكرناه بالأمر بالتأمل قوله عن الرّجل يشترى ثوبا ولم يشترط على صاحبه شيئا يعني شرطا موجبا لجواز الفسخ قوله فإذا احتمل مورد السؤال لهذه الوجوه وحكم الإمام ( عليه السلام ) بعدم البأس من دون استفصال عن المحتملات أفاد ثبوت الحكم على جميع الاحتمالات أشار ( رحمه الله ) في هذا الكلام إلى فائدة أصولية لم نجدها لمن تقدمه وهو انه إذا كانت القضية المسؤول عنها محتملة للوقوع على وجوه متعددة ولم يستفصل المسؤول أفاد ترك الاستفصال ( حينئذ ) عموم الحكم بالنسبة إلى جميع المحتملات وتأمل فيه بعض من تأخر مستندا فيه إلى أن أحدا من علماء الأصول لم ينبه عليه وانما ذكروا إفادة العموم فيما لو كان الواقع في السؤال من قبيل المشترك المعنوي غاية ما هناك انه زاد بعض الأواخر ان ترك الاستفصال عما أريد بالمشترك اللفظي من وقوعه في السؤال يفيد العموم ( أيضا ) ولم يزد أحد على هذين القسمين شيئا قلت ما أفاده ( المصنف ) ( رحمه الله ) مسئلة أصولية مأخوذة من قاعدة التّجاوز التخاطب وقواعد العقل إذ ليس الوجه في إفادة ترك الاستفصال للعموم سوى ان الحكم لو كان مختصا بفرد دون فرد مع عدم الإشارة إلى تعيينه بحكم الفرض لزم الإغراء بالجهل وهذا الوجه كما يجري بالنسبة إلى الافراد ( كذلك ) يجري بالنسبة إلى المحتملات وعدم تنبه من تقدم لا يوجب الاشكال فيما تنبّه له من تأخر بل له الفخر حيث أتى بما لم يأت به الأولون ونال ما لم ينله الأقدمون قوله هذا غاية ما يمكن ان يحتج ويستشهد به للقول بالصحة لا يخفى انه ( رحمه الله ) أهمل مما استشهد به غيره خبرين أحدهما ما روى من أن عقيل باع دور النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بمكة من دون استيذان منه ( عليه السلام ) فلما أخبر ( عليه السلام ) به أجازه ولكن لا يخفى ما في دلالته لان اللفظ المنقول عنه ( عليه السلام ) وقد سئل حين توجهه إلى مكة عن المكان الذي يريد النزول فيه هو انه لم يبق لنا عقيل دارا وهذا اللفظ كما يحتمل الإمضاء والإجازة كذلك يحتمل عدم الرضا والانزجار من بيعه لها غاية ما هناك انه لم ير التصريح بالرد واسترداد الدّور التي باعها مناسبا لشأنه ( عليه السلام ) فسكت فالحاصل انه لا يدلّ على الإمضاء لقيام احتمال غيره ( أيضا ) ثانيهما ما روى عن مسمع أبى سيار قال قلت لأبي عبد اللَّه ( عليه السلام ) إني كنت استودعت رجلا مالا فجحدنيه وحلف لي عليه ثم جاء بعد ذلك بسنين بالمال الذي كنت استودعته إياه فقال هذا مالك فخذه وهذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك فهي لك مع مالك واجعلني في حل وأخذت المال منه وأبيت ان أخذ الربح وأوقفت المال الذي كنت استودعته وأتيت حتى أستطلع رأيك فما ترى قال فقال خذ الربح وأعطه النصف وأحله ان هذا رجل تائب واللَّه يجب التوابين وتوضيح وجه الدلالة ان الاتجار بمال الغير مع قطع النظر عن الحديث يتصور على وجوه لأنه اما أن تكون المعاملة مرة واحدة وقد حصل الربح جميعا في تلك المعاملة الواحدة أو تكون المعاملة قد تكررت حتى حصل الربح من مجموع ما تكرر وعلى التقدير الأول اما أن تكون المعاملة بعين المال أو في الذمة وعلى التقدير الثاني تصير الأقسام ثلاثة لأنه اما أن تكون المعاملة في جميعها بعين المال أو تكون في جميعها في الذمة أو تكون في بعضها بالعين وفي بعضها في الذمة اما لو كانت في الذمة فلا يستحق صاحب المال شيئا من الربح وامّا لو كانت بالعين استحق الربح واما لو تبعضت في صورة تعدد المعاملة فما كان بالعين يستحق ربحه وما كان في الذمة لا يستحق ربحه وإذ قد عرفت ذلك نقول إن سؤال الراوي عن حكم المسئلة وإيقافه المال إلى أن يسئل لعلَّه من جهة انه لما كان قد استحلفه بعد جحوده احتمل انه سقط حقه عنه فلذلك احتاج إلى السؤال والاحتمالات المذكورة وان كان كلها أو أكثرها جارية في مورد السؤال الواقع في الحديث الا انه لما أقر من كان بيده المال يكون المال والربح لصاحبه كان إقراره معتبرا فيتبع ولازم ذلك أن يكون الربح كله لصاحب المال لكن حكم المعصوم ( عليه السلام ) بان يعطيه النصف انما هو على سبيل الاستحباب بدلالة قوله ( عليه السلام ) ان هذا رجل تائب واللَّه يجب التوابين واما قوله ( عليه السلام ) وأحلَّه بعد قوله ( عليه السلام ) أعطه النصف فمعناه الأمر بأن يجعله في حلّ من النصف الذي أعطاه بأن يعطيه عن طوع ورغبة فيبيحه له وامّا استحلال من كان بيده المال بقوله واجعلني في حل ( فالظاهر ) انه من جهة جحوده الذي هو ظلم على صاحب المال ومن جهة تصرفه في ماله بغير إذنه هذا ويحتمل أن يكون أمره ( عليه السلام ) بإعطاء النصف من الربح وأخذ النصف مبنيا على أن المعاملات الكثيرة الواقعة على المال يكون منها ما هو واقع على عين المال ومنها ما هو متعلق بالذمة ولو عادة فأمره ( عليه السلام ) بأن يأخذ طريقا متوسطا مناسبا للصّلح بأن يأخذ نصف الربح ويعطى نصفه الأخر وكيف كان فكون الربح لصاحب المال لا يتم الا بكون معاملة الفضولي صحيحة ثم إنه لا يخفى عليك ان الخبرين المذكورين وان كانا ظهر في كون بيع الفضولي لنفسه وعلى هذا لا يتم الاستشهاد بهما في هذه المسئلة التي قررها ( المصنف ) ( رحمه الله ) وهي ان يبيع الفضولي للمالك الا انّ الاستشهاد بهما في هذه المسئلة ممّا يقطع بصحته اما على الاحتمال المرجوح وهو أن يكون البيع في مورد الخبرين للمالك فلكونه من افراد المسئلة واما على الاحتمال الراجح فلإنه يتم المطلوب بالأولوية القطعية لأنه إذا صحّ معاملة الفضولي لنفسه وصحتها للمالك تكون بطريق أولى قوله وفيه ان دلالته على الحصر ممنوعة لانقطاع الاستثناء ( انتهى ) قد يقال إن الاستثناء متّصل نظرا إلى أن قوله ( تعالى ) : « بِالْباطِلِ » في مقام التعليل والاستثناء انما هو من أكل الناس أموالهم بينهم وتقدير الآية لا تأكلوا أموالكم بينكم لان أكلها بينكم باطل الا أن تكون تجارة ناشئة عن الرّضا وانما هو تجارة عن تراض وعلى هذا يتم الاستدلال بها على المنع من جهة ان بيع الفضولي ليس تجارة ناشئة عن الرضا وانما هو تجارة لحقها الرضا فيبقى تحت المستثنى منه وفيه ان ذلك إخراج للفظ الدليل عن ظاهره بتأويل بعيد من دون شاهد وقد يقال ( أيضا ) في توجيه دلالة الآية على حرمة معاملة الفضولي انه لا ريب في دلالة الآية على تحريم أكل المال بالباطل وقد علمنا أن الباطل عبارة عما ليس فيه استحقاق ولكن لا نعرف مصاديقه لكون تمييز السبب الموجب للاستحقاق عن غيره انما هو وظيفة الشارع فيصير جميع أفراد مؤاكلة المال بين الناس مما يجب الاجتناب عنه وقد علمنا من قوله ( تعالى ) : « إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ